السيد محمد باقر الصدر

552

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

المعادن أو غليان الماء بالحرارة ، ونمارس عدداً أكبر من التجارب بهذا الصدد ، نزداد تأكّداً من التعميم ووثوقاً به . وإذا وجدنا قطعة مغناطيسية واحدة تجذب الحديد لم يكفنا ذلك لكي نؤمن بأنّ كلّ مغناطيس يجذب الحديد ، ما لم نكرّر التجربة ونستوعب عدداً أكبر من الأمثلة والنماذج . ولكنّ الأمر بالنسبة إلى القضايا الرياضية والمنطقية يختلف اختلافاً كبيراً ، فإنّ الإنسان في اللحظة التي يستطيع فيها أن يجمع خمسة كتب وخمسة كتب أخرى ، ويعرف أنّ مجموعها عشرة ، يمكنه أن يحكم بأنّ كلّ خمستين تساوي عشرة ، سواء كانت الأشياء المعدودة كتباً أو أشياء أخرى ، ولا يزداد اليقين بهذه الحقيقة ترسّخاً بتكرار الأمثلة وجمع النماذج العديدة . وبتعبير آخر : إنّ اليقين بهذه الحقيقة الرياضية يصل منذ اللحظة الأولى من إدراكها إلى درجة كبيرة لا يمكن أن يتجاوزها ، بينما نجد اعتقادنا بالقضايا الطبيعية يزداد باستمرار كلّما تظافرت التجارب وأكّدت باستمرار صدق القضية وموضوعيّتها . 3 - إنّ قضايا العلوم الطبيعية ، وإن كانت تستبطن تعميماً وتجاوزاً عن حدود التجربة ، ولكنّ هذا التجاوز المستبطن لا يتعدّى حدود عالم التجربة وإن تعدّى نطاقها الخاصّ . فنحن حين نقرّر أنّ الماء يغلي لدى درجة معيّنة من الحرارة ، نتجاوز المياه التي وقعت في نطاق تجاربنا الخاصّة إلى سائر المياه في هذا الكون . ولكنّنا إذا اجتزنا عالم التجربة ، وتصوّرنا عالماً آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه ، فمن الممكن أن نتصوّر الماء في ذلك العالم وهو لا يغلي عند تلك الدرجة المعيّنة من الحرارة ، ولا نجد مسوّغاً لتعميم القضية القائلة بأنّ الماء يغلي عند درجة معيّنة على ذلك العالم الآخر . وهذا يعني أنّ التعميم في تلك القضية إنّما كان في حدود العالم الخارجي الذي وقعت التجربة فيه .